اسماعيل بن محمد القونوي

324

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الأولى بسبب كونهم فاسقين لأن جمع الماضي مع المستقبل للاستمرار خاص بلفظة كان فلا وجه لإهداره مع تضمنه للنكتة الرشيقة . قوله : ( والزجر في الأصل ) أي في اللغة كالرجس ( ما يعاف عنه ) ويستقذر ثم نقل عنه إلى العذاب الذي ينفر عنه وهو المراد هنا كما صرح به فالنقل من قبيل نقل اسم العام إلى الخاص أو اسم المسبب إلى السبب وهو الظاهر إذ الأول لا يخلو عن كدر وفي الحديث الطاعون رجز وبه فسرها لأن أول وقوع الطاعون فيهم كما قيل ثم بيان سببية فسقهم للعذاب بعد الإشعار بكون الظلم سببا للإنزال للتنبيه على أن ذلك الظلم الذي هو سبب الإنزال منشؤه فسقهم وخروجهم عن طاعة اللّه تعالى أي جرهم الانهماك في الفسق إلى الظلم المخصوص أعني وضع غير المأمور به موضع المأمور فهذا تعليل للمعلل بالظلم حاصله بيان سبب الظلم سواء كان الفسق بمعنى الكفر أو مطلق المعاصي وسيجيء الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى : ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ [ البقرة : 61 ] وقيل هذا من قبيل التدرج في الارتقاء أعني وقع الإشعار أو لا يكون الإنزال لظلمهم ثم وقع التصريح ثانيا بذلك معبرا فيه عن الظلم بالفسق فارتقى من الإشعار إلى التصريح ولا محذور فيه أصلا إنما المحذور في عكسه وإن كان له جهة تصحيح انتهى وهذا غير متعارف عندهم إذ كون التعليق بالمشتق مفيدا للعلية كالصريحة مما صرح به أئمة الأصول فلا تدرج في الارتقاء إذ لا فرق بينه وبين ما صدر بحرف تعليل والفسق أعم من الظلم أريد هنا كما عرفت ( وكذلك الرجس ) وقرىء بالضم وهو لغة فيه والمراد به الطاعون روي أنه مات به في ساعة أربعة وعشرين « 1 » . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 60 ] وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 60 ) وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى [ البقرة : 60 ] أي وذكر الحال في الوقت المذكور فإنه نعمة تاسعة من النعم المعدودة على بني إسرائيل والسين للطلب على طريق الدعاء أي طلب السقيا ( لما عطشوا في التيه ) إشارة إلى أن المختار كون ذلك الاستسقاء في التيه وهو قول قوله : لما عطشوا في التيه فدعا لهم موسى عليه السّلام بالسقيا قال بعض شارحي الكشاف فإن قلت إن هذه الآية لم لم ترد على الترتيب فإن تظليل الغمام كان في التيه ودخول القرية بعده والعطش أيضا في التيه فنقول المقصود منها تعديد النعم على بني إسرائيل وتقريعهم على كفرانها فنعمة على التفصيل ولو وردت مرتبة فربما يظن أن المراد نعمة واحدة وتقريعهم عليها وهذا كما قال الزمخشري في قوله تعالى وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها [ البقرة : 72 ] لم تقص القصة على ترتيبها وكان حقها أن يقدم ذكر القتل والضرب بعض البقرة على الأمر بذبحها وأن يقال وإذ قلتم

--> ( 1 ) روي أنه مات به في ساعة أربعة وعشرون ألفا وقيل سبعون ألفا والمراد بالساعة الساعة الشرعية .